مطالب بإلغاء رسوم واردات "الصاج".. وخفض الأسعار 10% لتنشيط البيع
الركود يحاصر سوق الأجهزة المنزلية بمصر.. وضغوط التكلفة تصارع خفض الأسعار
بين ضغوط ارتفاع التكلفة نتيجة زيادة أسعار النحاس والصاج، وركود المبيعات الناجم عن ضعف القوة الشرائية، دخل قطاع الأجهزة الكهربائية والمنزلية في مصر في أزمة مزدوجة، لا يستطيع خفض الأسعار لتجاوزها، ولا يقوى على زيادتها لمواجهة ضغوط التكلفة.
وعلى الرغم من خفض شركات الأجهزة المنزلية أسعار منتجاتها بنسبة تتراوح بين 5 و20% خلال الأشهر الأخيرة، لكنها لم تنجح في تحفيز المبيعات، بل تواكب مع الخفض تراجع حركة الشراء بنسبة تتراوح بين 30 و40% على الأقل، مقارنة بنفس الفترة من عام 2024، بحسب تقديرات مسؤولين بشعبة الأجهزة المنزلية في اتحادي الصناعات والغرف التجارية بمصر.
التراجع الكبير في الطلب دفع عدد من مصانع الأجهزة المنزلية بمصر لخفض طاقتها الإنتاجية بنحو 25%، في محاولة للسيطرة على زيادة المعروض، مع زيادة البحث عن فرص تصديرية مناسبة، وفق المسؤولين. وفي محاولة لتنشيط البيع، جددت شعبة الأجهزة الكهربائية بغرفة الجيزة التجارية (والتي تمثل شريحة كبيرة من التجار) لخفض جديد في الأسعار بنحو 10% لتنشيط المبيعات، لكن شعبة الأجهزة الكهربائية باتحاد الصناعات (والتي تمثل المصانع) ترى صعوبة كبيرة في هذا الحل، خاصة مع الزيادة المستمرة في تكاليف الإنتاج، والتي تتطلب زيادة الأسعار وليس خفضها.
ماذا حدث في السوق؟
قال رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية باتحاد الصناعات المصرية، حسن مبروك، إن سوق الأجهزة المنزلية في بلاده تمر بحالة ركود ملحوظة خلال الفترة الأخيرة نتيجة زيادة المعروض، وارتفاع الأسعار، وضعف القوة الشرائية. وأضاف مبروك أن شركات القطاع تعاني في الوقت نفسه ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج بنحو 15% على الأقل، بسبب زيادة أسعار النحاس والصاج، خاصة بعد فرض وزارة الاستثمار المصرية رسوم وقائية على الأخير، منتصف سبتمبر الماضي.
"فرض رسوم على واردات الصاج لمدة 200 يوم مع احتمالية مدها، أدى إلى رفع تكلفة الإنتاج بنسبة تتراوح بين 5 و6%، وزيادة أسعار النحاس تسببت في زيادة تكلفة تصنيع الثلاجات وأجهزة التكييف بما يتراوح بين 7 و8%"، وفق مبروك. بلغ سعر النحاس مستوى قياسياً قدره 11.7 ألف دولاراً للطن خلال تعاملات ديسمبر الحالي، بزيادة 36% عن نفس الفترة من العام الماضي، فيما تتوقع غولدمان ساكس استقرار المعدن الأحمر في نطاق 11 ألف دولار لفترة طويلة في عام 2026.
وعزى مبروك زيادة المعروض من الأجهزة المنزلية عن حجم الطلب في الأسواق حالياً، إلى دخول شركات أجهزة منزلية أجنبية جديدة للسوق المصري في الآونة الأخيرة، وقال إن هذا التوسع جعل السوق أكثر ازدحاماً من حيث المعروض، وزاد الضغط على الشركات العاملة في سوق يعاني من ضعف الطلب. ورغم ذلك، اعتبر مبروك أن دخول الشركات الأجنبية عزز المنافسة، وهو الأمر الذي يصب في صالح المستهلك من حيث الجودة والتنوع.
حالة تشبع
من جانبه، عزى رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية بغرفة الجيزة التجارية، جورج سدرة، حالة الركود في سوق الأجهزة المنزلية إلى ما وصفه بـ"تشبع الطلب" في عام 2023، حين شهدت السوق عمليات شراء مكثفة نتيجة الزيادات المتلاحقة في الأسعار. وأن ارتفاع الأسعار دفع الأسر إلى تخزين الأجهزة الأساسية مثل الثلاجات والغسالات لأطفالهم، ما أدى إلى نفاد البضائع من الأسواق خلال عام 2023، في حين أصبحت المحال التجارية حالياً مكتظة بالبضائع دون طلب.
وأشار سدرة إلى أن أسعار الأجهزة الكهربائية المرتفعة تعد سبباً رئيسياً لإحجام المواطنين عن الشراء أيضاً، فلا تزال الأسعار غير متناسقة مع متوسط الدخل في مصر. وذكر أن قطاع الأجهزة المنزلية تأثر أيضاً بسياسة البنك المركزي المصري للسيطرة على التضخم، عبر طرح شهادات ادخار بعوائد قياسية تصل 27% العام الماضي لتحجيم الاستهلاك.
بدوره، نفى مبروك وجود حالة تشبع في سوق الأجهزة المنزلية، وقال إن الزيادة السكانية والتوسع العمراني يفرضان طلباً طبيعياً ومستمراُ، لكن الأزمة الحقيقية تكمن في تراجع القوة الشرائية وارتفاع الأسعار. وأضاف: "المستهلك العادي بات يؤجل قرارات استبدال الأجهزة القديمة ويلجأ إلى الإصلاح والصيانة بدلاً من شراء أجهزة جديدة، وهو ما لم يكن شائعاً بهذه القوة في السابق".
هل ترتفع الأسعار؟
ألمح مبروك إلى احتمالية زيادة أسعار الأجهزة الكهربائية والمنزلية في مصر مع بداية العام المقبل، لكنه قال "الأمر لا يزال قيد الدراسة، وإذا قررنا الزيادة فستكون في أضيق نطاق ممكن". ورغم زيادة احتمالية رفع الأسعار، أقر مبروك بأن المستهلك المصري لم يعد يتحمل أي زيادات جديدة، وأن القوة الشرائية في تراجع واضح.
وأضاف: "نحن لا نرفع الأسعار لزيادة هامش الربح، بل بالكاد نحافظ على الاستمرار.. منذ تراجع الطلب اضطرت الشركات لخفض طاقتها الإنتاجية 25%".وأشار رئيس الشعبة إلى أن مصانع الأجهزة المنزلية لا ترغب مطلقاً في رفع أسعار منتجاتها، خاصة أن أي زيادة سعرية تعني بالضرورة تراجع المبيعات وتفاقم الركود، وهو الأمر الذي يترتب عليه زيادة المخزون وتعريض العمالة في القطاع للخطر.
"المصانع تحاول امتصاص جزء كبير من هذه الزيادات لتجنب تحميلها كاملة على المستهلك، نحن آخر طرف يرغب في رفع الأسعار، لأن الزيادة لا تعني ربحاً إضافياً، بل تعني بيع كميات أقل وخسائر أكبر"، بحسب مبروك. وعلى العكس، توقع سدرة انخفاض أسعار الأجهزة المنزلية بنسبة تتراوح بين 5 و10% بحد أقصى مع بداية العام المقبل، لتنشيط حركة البيع. وقال سدرة إن الشركات بدأت دراسة إمكانية تخفيض الأسعار، خاصة مع زيادة التوقعات بانتعاش الطلب في الربع الأول من العام المقبل، بالتزامن مع انتهاء آجال الشهادات مرتفعة العائد.
هل يصبح التصدير بديلاً؟
بلغت صادرات الأجهزة المنزلية وأدوات المائدة والمطبخ المصرية، نحو 1.1 مليار دولار خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر الماضي بنمو يتجاوز 9%، بحسب بيانات المجلس التصديري للصناعات الهندسية في مصر.
حلول عاجلة
طالب مبروك، الحكومة المصرية باتخاذ إجراءات عاجلة لدعم قطاع الأجهزة المنزلية، على رأسها إلغاء الرسوم المفروضة على واردات الصاج بشكل عاجلن وإن شعبة الأجهزة الكهربائية باتحاد الصناعات قدمت طلباً لوزارة الصناعة المصرية قبل نحو أسبوعين، للمطالبة بإلغاء الرسوم المفروضة على الصاج. وتوقع رئيس الشعبة أن يسهم إلغاء الرسوم في خفص تكلفة الإنتاج بين 5 و6% في المتوسط، وقال إن ذلك قد يجنب المصانع زيادات سعرية جديدة مع بداية 2026.
ودعا مبروك الحكومة بسرعة التدخل لتخفيف الأعباء عن المصانع من خلال مراجعة الضرائب العقارية وبعض الرسوم المفروضة، وأسعار الطاقة، والكهرباء والغاز، إلى جانب إيجاد حل جذري للمصانع المتعثرة بالقطاع. وأشار إلى أن مصانع الأجهزة المنزلية تعمل حالياً بهوامش ربح شبه معدومة، وأن استمرار الوضع الحالي ينذر بتفاقم الركود، ما لم يتم التدخل سريعاً لدعم الصناعة والمستهلك في آن واحد.

تعليق